الفيض الكاشاني

210

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

يعود فينصر كلامه بما يمكنه من حقّ أو باطل ويقدح في قائله بكلّ ما يتصوّر له ، فيثور التشاجر بين المتماريين كما يثور التهارش بين الكلبين يقصد كلّ واحد منها أن يعضّ صاحبه بما هو أعظم نكاية وأقوى في إفحامه وإلجامه ، وأمّا علاجه فبأن يكسر الكبر الباعث له على إظهار فضله والسّبعية الباعثة له على تنقيص غيره كما سيأتي ذلك في كتاب ذمّ الكبر والعجب وكتاب ذمّ الغضب ، فإنّ علاج كلّ علَّة بإماطة سببها وسبب المراء ما ذكرناه ثمّ المواظبة عليه تجعله عادة وطبعا حتّى يتمكَّن من النفس ويعسر الصبر عنه ، وقيل لداود الطائي : لم آثرت الانزواء ؟ قال : لا جاهد نفسي بترك الجدال فقيل : أحضر المجالس واسمع ما يقال ولا تتكلَّم قال : ففعلت ذلك فما رأيت مجاهدة أشدّ عليّ منها وهو كما قال ، لانّ من يسمع من غيره خطأ وهو قادر على كشفه يعسر عليه الصبر عنه جدّا ولذلك قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من ترك المراء وهو محقّ بني له بيت في أعلى الجنّة » لشدّة ذلك على النفس ، وأكثر ما يغلب ذلك في المذاهب والعقائد ، فإنّ المراء طبع فإذا ظنّ أنّ له عليه ثوابا اشتدّ عليه حرصه وتعاون الطبع والشرع عليه ، وذلك خطأ محض بل ينبغي للإنسان أن يكفّ لسانه عن أهل القبلة وإذا رأى مبتدعا تلطَّف في نصحه على خلوة لا بطريق المجادلة فإنّ المجادلة يخيّل إليه أنّه حيلة منه في التلبيس وإنّ ذلك صنعة يقدر المجادلون من أهل مذهبه على أمثالها لو أرادوا فتستمرّ البدعة في قلبه بالجدل وتتأكَّد فإذا عرف أنّ النصح لا ينفع اشتغل بنفسه وتركه ، قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « رحم اللَّه من كفّ لسانه عن أهل القبلة إلا بأحسن ما يقدر عليه ( 1 ) » قال هشام بن عروة : كان عليه السّلام يردّد قوله هذا سبع مرّات . وكلّ من تعوّد المجادلة مدّة وأثنى الناس عليه لنفسه بسببها عزّا وقبولا قويت فيه هذه المهلكات فلا يستطيع عنها نزوعا إذا اجتمع عليه سلطان الكبر والغضب والرياء وحبّ الجاه والتعزّز بالفضل وآحاد هذه الصفات تشقّ مجاهدتها فكيف بمجموعها .

--> ( 1 ) أخرجه ابن أبي الدنيا باسناد ضعيف . ورواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث هشام ابن عروة عن عائشة بنحوه وهو منقطع وضعيف جدا كما في المغني .